السيد جعفر مرتضى العاملي
151
تفسير سورة هل أتى
المستقبل ، ففيه دلالة على التصرم وعلى التجدد . . فكلمة « عَالِيَهُمْ » تفيد الثبوت - ولا تفيد الحدوث - وتفيد أيضاً الدوام . . وليس فيها إشارة إلى حالة فقدان أصلاً ، قد يرتجف لها القلب ، ولو في مستوى التوهم ، بسبب التعبير بصيغة المضارع . . 3 - وأما السبب في أنه تعالى لم يقل : يلبسون ، أو لابسون ثياب سندس ، بل اختار كلمة « عَالِيَهُمْ » ، فلعله ليفيد ظهور هذا الأمر فيهم . وهذه الكلمة هي أنسب التعابير عن ذلك ، لأن العالي ظاهر للقريب والبعيد . . إذ مجرد أن يلبس الإنسان شيئاً لا يكفي لظهور الملبوس للغير . . فقد يلبسه تحت الثياب الظاهرة ، ويقال : إن سفيان الثوري رأى على الإمام الصادق عليه السلام في المسجد الحرام ، ثياباً كثيرة حساناً ، فقال : والله لآتينَّه ولأوبخنَّه ! . . فدنا منه ، فقال : يا بن رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] ما لبس رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] مثل هذا اللباس ، ولا علي ، ولا أحد من آبائك ! فقال عليه السلام : كان النبي [ صلى الله عليه وآله ] ، في زمن قتر مقتر ، وكان يأخذ لقتره وإقتاره ، وإن الدنيا بعد ذلك أرخت عزاليها ، فأحق أهلها بها أبرارها ، ثم تلا : * ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) * ( 1 ) . . فنحن أحق من أخذ منها ما أعطاه الله ، غير أني يا ثوري ! ما ترى علي من ثوب إنما لبسته للناس ، ثم اجتذب بيد سفيان فجرها إليه ، ثم رفع الثوب الأعلى ، وأخرج ثوباً تحت ذلك على جلده غليظ . . فقال : هذا لبسته لنفسي غليظاً . وما رأيته للناس .
--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 32 .